ابن حزم
236
الاحكام
وهو أول الناس ينهى عن تقليده ، والعجب من دعواهم أنهم أخذوا بالآخر من فعله صلى الله عليه وسلم ، وأخذوا بالأول المنسوخ لذلك فما حضرنا ذكره - مما تركوا فيه آخر فعله صلى الله عليه وسلم وأخذوا بالأول المنسوخ . فإنهم لم يجيزوا أن يأتي الامام المعهود ، وقد بدأ خليفته على الصلاة بالصلاة ، فدخل الامام المعهود فيتم الصلاة ويبني سائر من خلفه على من كبروا في أول صلاتهم . ويصير الامام الذي ابتدأ الصلاة مأموما ، وهذه آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس في مرضه الذي مات فيه ، فأبطلوا هذه الصلاة وأجازوا أن يخرج الامام من الصلاة لعذر أصابه ويستخلف من يتم بالناس صلاتهم ، وهذا ما لم يأت فيه نص ولا إجماع ، ولم يروا الصلاة خلف الامام القاعد ، والأصحاء وراءه قعود أو قيام ، وهذه صفة آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتعلقوا بحديث رواه الجعفي - وهو كذاب - عن الشعبي مرسلا : لا يؤمن أحد بعدي جالسا وهي رواية كوفية . وهم يردون الصحيح من رواية أهل الكوفة ، ويتعلقون بهذه الرواية التي لا شك في كذبها من روايات أهل الكوفة . وكرهوا التكبير بتكبير الامام ، وأبطلوا في نص روايتهم صلاة المذكور ، وهذه صفة آخر صلاة صلاها أبو بكر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة جميع المهاجرين والأنصار ، إلا الأقل منهم ، وتركوا إباحة الشرب لكل ما لا يسكر من المباحات في جميع الظروف - وهو الناسخ ، وأخذوا بالنهي عن الدباء والمزفت وهو منسوخ بالنص الجلي ، وكان ذلك في أول الاسلام . وتركوا ما في سورة براءة - وهي آخر سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنه لا تؤخذ جزية إلا من كتابي ، وتركوا أيضا ما فيها من قوله تعالى ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله وتعلقوا بحديث تخيير من أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة ، لأنه لا يجوز أن يوجد أحد نكح أكثر من أربع نكاحا جائزا ، لان نكاح من نكح خامسة اليوم باطل حين عقده إياه ، مفسوخ لا يجوز - وإن جوزه الكفار - لان الله تعالى قد حرمه ، وتحريم الله تعالى لاحق بهم لازم لهم .